الإمام البخاري وصحيحه

الثلاثاء
يونيو 2019

هذه صفحات مشرقة من حياة الإمام البخاري ، ذلك الإمام الذي لم يأتي في الحديث مثله ! وله فيه اليد الطولى !! فكتابه أصح كتاب !! وشرطه فيه أقوى شرط !! لنقف معه وقفة يسيرة لنرى أجمل ما في سيرته ..

 

اسمه ونسبه :

هو أمير المؤمنين في الحديث ، سيد الحفاظ ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه بن الأحنف الجعفي البخاري .

 

مولده ونشأته :

ولد البخاري سنة 194 هــ ، وقد مات أبوه وهو صغير فكفلته أمه ، وأحسنت تربيته ، وقد كان له من مال أبيه الذي تركه ما أعانها على تنشئته تنشئة كريمة صالحة . وقد مال إلى طلب العلم وحفظ الأحاديث وتحقيقها وهو حديث السنّ ، فلما بلغ العاشرة من عمره اختلف إلى الشيوخ والعلماء وملازمة حلقات الدروس !

ولقد كان البخاري أعجوبة منذ صغره ! فقد كان هذا اليتيم وهو دون العاشرة من عمره يأتي إلى الكتّاب من دون ورقةٍ أو قلم ، فقد كان الشيخ يروي عليهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسارعون إلى تدوينها ، إلَّا هذا الطفل لم يكن يكتب شيئاً على الإطلاق !

ومرت الأيام وهذا الطفل على حاله هذه ، يأتي في صمت ، ويعود في صمت ، حتى جاء ذلك اليوم الذي سَخِر فيه التلاميذ من هذا الطفل الغريب ، وعايروه بأنه لا يكتب شيئاً ، فنظر الطفل الصغير إليهم نظرة الواثق وقال لهم : أخرجوا كراريسكم لأراجعها لكم ! فأخرج التلاميذ كراريسهم وهم ينظرون بدهشة لهذا الطفل الصغير الذي بدأ يراجع لهم الأحاديث التي كتبوها على مدى أشهر حديثاً حديثاً وهم يطابقون صحتها في كتبهم ، فراجع لهم هذا الطفل الصغير الذي لم يبلغ العاشرة من عمره 15000 حديثٍ بمتونها وأسانيدها !!

فعجباً لهذه الذاكرة العجيبة !! والحقيقة أنني عثرت على روايةٍ عجيبة تفسِّر لنا سرّ تلك الذاكرة العجيبة التي كان يتمتع بها البخاري ، تقول هذه أن البخاري كان قد عمي في صغره ، ففقد بصره بالكلية ، فأخذت أمه تبكي على ابنها الوحيد بكاءً شديداً وتدعو الله أن يرجع له بصره ، وفي ليلة من الليالي رأت تلك الأمة الصالحة في المنام نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام ؛ فقال لها : يا هذه قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك وبكائك . فاستيقظت الأم من نومها وأسرعت إلى طفلها لتجد أن بصره قد عاد إليه !

الشاهد في هذه الرواية أمران ؛ الأول وهو سرّ ذاكرة البخاري القوية يكمن في فقده لبصره في طفولته ، فالمعلوم طبيّاً أن هناك خاصية عجيبة خلقها الله في جسم الإنسان ، ألا وهي خاصية ” التعويض الوظيفي ” وتنصّ على أن الجسم البشري إذا ما فقد حاسة من حواسه ، فإن قوة الحواس الأخرى تزيد بشكل يعمل على سد الثغرة الحسية التي نتجت عن فقده لتلك الحاسة ، وهذا ما يفسِّر قوة السمع والحفظ للطفل الأعمى ، أما في حالة البخاري فقد اكتسب دماغه أثناء عماه تلك الخاصية الاستثنائية على ما يبدو ، ثم رد الله بصره ، فصار البخاري يجمع بين ذاكرة الأعمى ، ونظر المبصر ، فأصبح إنساناً استثنائياً !

لقد كانت هناك عدَّة عوامل أدَّت إلى نبوغه مبكراً منها ما ذكرناه ومنها إلهام الله له الحديث . يقول أبو حاتم الورَّاق النحوي : قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : كيف كان بدأ أمرك في طلب الحديث ؟ أُلهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتّاب . قال : وكم أتى عليك إذ ذاك ؟ قال : عشر سنين أو أقل !!

وقال أبو بكر الأعين : كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة ، وهو ابن سبع عشرة سنة !!

وقد روي عنه أنه قال : أحفظ مئة ألف حديث صحيح ، ومئتي ألف حديث غير صحيح !!

 

شيوخه :

لقد أتاحت رحلاته لقاء الشيوخ الذين هم محل الثقة والأمانة ، والذين بلغوا حد الكثرة الكاثرة ؛ وروي عنه أنه قال : كتبت عن ألفٍ وثمانين رجلاً ليس فيهم إلا صاحب حديث .

ومن أشهر شيوخه ؛ علي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وإسحاق بن راهويه ، وغيرهم .

 

تلاميذه :

روى عنه خلق لا يُحصون ؛ ومن أشهر تلاميذه : مسلم بن الحجاج ، والترمذي ، والنسائي ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم الرازيان ، ومطيَّن ، وابن خزيمة ، وغيرهم .

 

ثناء العلماء عليه :

سأل رجل قتيبة بن سعيد عن البخاري فقال : يا هؤلاء ! نظرت في الحديث ، ونظرت في الرأي ، وجالست الفقهاء والعبُّاد والزُّهاد ، فما رأيت منذ عقلت مثل محمد بن إسماعيل .

وشهد له إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة فقال : ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل .

وأثنى عليه الإمام أحمد والإمام مسلم وغيرهم ما لا يُحصى .

 

عبادته :

كان – رحمه الله – عابداً مكثراً ، كما كان حريصاً على قيام الليل ، قال محمد بن أبي حاتم : ” كان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ” .  كما كان كثير التلاوة لكتاب الله ، وحج عدة مرات ، يقول الحاكم النيسابوري : ” .. سمعت محمد بن إسماعيل يقول : أقمت بالبصرة خمس سنين معي كتبي ، وأحج كل سنة وأرجع من مكة إلى البصرة ” . وكان قليل الكلام حافظاً للسانه ، ويروى عنه أنه قال : ” إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً ! ” .

 

مؤلفاته :

للإمام البخاري مؤلفات كثيرة ، ولكن أشهرها الصحيح ، الذي لم يؤلف في الحديث مثله ، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله ، وقد التزم فيه الصحة فوفَّى بشرطه ، فكل ما فيه صحيح ، وتلقته الأمة بالقبول والتسليم . وقد أمضى في جمعه وتصنيفه ستة عشر عاماً . وقد بيَّن سبب تصنيفه وهو : أنه كان جالساً في مجلس شيخه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهوية ، وكانت النفوس تتشوف إلى فرز صحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم عن ما عداها ، فربما كان هناك شيء من التَّذاكر لهذه المسالة ، من ينهض بهذه المهمة ، فتكلم إسحاق في مجلسه بهذا الكلام فقال : لو أفردتم صحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالتصنيف ، فقوى عزمه ما سمعه من أستاذه ، وقد صرح بهذا البخاري نفسه ، قال : ” كنت عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب ” . وكان البخاري – رحمه الله – قد وقع ذلك من نفسه قبل ذلك ، ورأى في ذلك رؤيا ، يقول : ” رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذبُّ بها عنه ، فسألت بعض المعبرين ، فقال لي : تذبُّ عنه الكذب ” ، فلما ذكر شيخه إسحاق بن راهوية هذا الكلام قوي عزم البخاري – رحمه الله تعالى – في هذه المسألة ونشط في التصنيف .

ويروى أنه كان لا يضع في كتابه شيئاً إلا صلى لذلك ركعتين ، قال محمد بن يوسف الفربري : ” قال البخاري : ما كتبت في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين ” . وروى الإسماعيلي عنه قال : ” لم أخرِّج في هذا الكتاب إلا صحيحاً ، وما تركت من الصحيح أكثر ” وإنما ترك ذلك حتى لا يطول الكتاب كما قال . وقال : ” خرَّجت الصحيح من ستمائة ألف حديث ” .

وقال أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي : ” لما ألَّف البخاري كتاب الصحيح عرضه على أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهم فاستحسنوه وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث ، قال العقيلي : والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة ” .

 

وفاته :

توفي البخاري – رحمه الله رحمة واسعة – سنة : 256 هــ ، وكان عمره إذ ذاك 62 عاماً . ( 1 ) .

 

( 1 ) – انظر : مقدمة صحيح البخاري ؛ ت : عز الدين – عماد الطيار – ياسر حسن ؛ وكتاب : مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ ؛ جهاد الترباني ؛ ص : ( 462 – 463 ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.