” وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ” .

الثلاثاء
نوفمبر 2018

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إن الله تعالى قال : من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينَّه ، ولئن استعاذني لأعيذنَّه ” . رواه البخاري .

هذا حديث عظيم اشتمل على فوائد كثيرة ، ومعلومات جليلة كبيرة ، فلنقف مع كل فقرة من فقراته لنرى عظمته !

قال الله عز وجل ” من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب ” ، الولي كل مؤمن تقيّ ، قال تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون } .

فلا تجوز معاداة أولياء الله ، بل تجب محبتهم وموالاتهم ، وبعض الناس ممَّن رقَّ دينه يُعادي قريبه إذا أعفى لحيته أو قصَّر ثوبه ، أو حتى يُعادي كل من التزم بدين الله ! مسكينٌ هذا ! لقد غفل عن عاقبة فعله وخطورة عمله هذا ! فإن الله قال : ” فقد آذنته بالحرب ” ، أي أعلمته بأني محاربٌ له وذلك بإهلاكه . ففي الحديث وعيد شديد للذين يؤذون أولياء الله في أبدانهم أو أعراضهم أو أموالهم ، والله يمهل الظالمين ولا يهمل .

والمعاداة التي توعد الله بها من عادى أولياءه ، ما كانت بسبب امتثاله لأوامر الله واجتنابه عن نواهيه ودعوته إلى منهجه ، أما إذا كانت المعاداة من أجل نزاع وخصومة دنيوية فهذه لا تدخل في الحديث .

قال : ” وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضته عليه ” ، فالواجبات أولاً إذ لا شيء أحبَّ إليه سبحانه من دونها ، وأعظم هذه الفرائض التي تقرِّب من الله الصلاة وغيرها كثير .. وكذلك يندرج تحت التقرُّب إلى الله بأداء الفرائض ترك معاصي الله عز وجل .

قال : ” ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ” ، فالإكثار من النوافل من أسباب محبة الله عز وجل ، والنوافل بابها واسع ، فينبغي للمسلم أن يجتهد فيها ، من صلاة وصيام وحج وعمرة وصدقة وقراءة قرآنٍ وذكرٍ لله عز وجل .. وهكذا . فأكثر وأبشر بمحبته .. فإن من فعل ذلك نال محبة الله ، ومحبة الله ليس بالشيء الهيِّن ! فإن الله إذا أحبَّ عبداً أغدق عليه النعم ، ووفقه وسدده وأعانه ويسَّر أموره وحبَّبه إلى خلقه ! قال صلى الله عليه وسلم : ” إذا أحبَّ الله عبداً نادى جبريل ، إني أحبُّ فلاناً فأحبَّه ، فيحبّه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء إنَّ الله يحبُّ فلاناً فأحبُّوه فيحبّه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض ” .

يقول الشيخ ابن عثيمين – : ( الأعمال الصالحة تقرِّب إلى الله عز وجل ، والإنسان يشعر هذا بنفسه إذا قام بعبادة الله على الوجه الأكمل من الإخلاص والمتابعة وحضور القلب أحسَّ بأنه قَرُبَ من الله عز وجل . وهذا لا يدركه إلا الموفقون ، وإلا فما أكثر الذين يصلون ويتصدقون ويصومون ، ولكن كثيراً منهم لا يشعر بقربه من الله ، وشعور العبد بقربه من الله لا شك أنه سيؤثر في سيره ومنهجه ) .

قال : ” فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ” ، يعنى يوفقه في جوارحه هذه فلا يستعملها إلا فيما يرضي الله تعالى .

قال : ” ولئن سألني لأعطينَّه ” ، يستجيب دعاءه إذا دعاه ! ، ” ولئن استعاذني لأعيذنَّه ” ، يحميه ويعيذه من شر كل من استعاذ منه .

ولهذا كان الصحابة والسلف الصالح – رضي الله عنهم – إذا دعا أحدهم استجاب الله له مباشرة ! والقصص في ذلك كثيرة ، وحتى مِمَّن أتى من بعدهم ..

فهذا سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – ، لمَّا شكاه بعض أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حتى أنهم اتَّهموه بأنه لا يحسن أنْ يصلي ! فأرسل إليه فقال : يا أبا إسحاق ، إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي ، فقال : أما والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أخرم عنها أصلي صلاتي العشاء فأركد في الأوليين وأخفُّ في الأخريين ، فقال عمر – رضي الله عنه – : ذلك الظن بك يا أبا إسحاق ، وأرسل معه رجالاً إلى الكوفة يسألون عنه أهل الكوفة فلم يدعوا مسجداً إلا سألوا عنه ويثنون عليه معروفاً ، حتى دخلوا مسجداً لبني عبس فقام رجلٌ منهم ، يُقال له أسامة بن قتادة – يُكنَّى أبا سعدة – ، فقال : أما إذ نشدتمونا فإنَّ سعداً كان لا يسير بالسَّرية ولا يقسم بالسَّوية ولا يعدل في القضيَّة . فقال سعد : أما والله لأدعونَّ بثلاث : اللهم إنْ كان عبدك هذا كاذباً ، قام رياءً وسمعة ، فأطل عمره ، وأطل فقره ، وعرِّضه للفتن . وكان بعد ذلك إذا سُئل يقول : شيخٌ كبيرٌ مفتون ، أصابتني دعوة سعد .

قال عبد الملك بن عمير الراوي للحديث : فأنا رأيته بعد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، وإنه ليتعرَّض للجواري في الطرق فيغمزهُّن .

وهذا سعيد بن زيد – رضي الله عنه – ، خاصمته أروى بنت أوس إلى مروان بن الحكم ، وادَّعت أنه أخذ شيئاً من أرضها ، فقال سعيد : أنا آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال مروان : ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : سمعته يقول : ” من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقه إلى سبع أراضين ” .

فقال له مروان : لا أسألك بيِّنة بعد هذا . فقال سعيد : اللهم إنْ كانت كاذبة فاعمِ بصرها ، واقتلها في أرضها .

قال : فما ماتت حتى ذهب بصرها ، وبينما هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت .

وقال محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ، أنه رآها عمياء تلتمس الجدار ، تقول : أصابتني دعوة سعيد ، وأنها مرَّت على بئر في الدار التي خاصمته فيها فوقعت فيها وكانت قبرها . (!) .

 

(1) – انظر : قواعد وفوائد من الأربعين النووية ؛ لناظم محمد سلطان ؛ ( ص336-342 ) .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.