أحاديث التوكل واليقين

الأثنين
مايو 2018

قال الله تعالى : ( وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ) ( الأحزاب : 22 ) .

وقال تعالى : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ( آل عمران: 174 ، 173 ) .

وقال تعالى : ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) ( الفرقان : من الآية58 ) .

وقال تعالى : ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ( إبراهيم : من الآية 11)

وقال تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ( الطلاق : من الآية3 ) ، أي : كافيه .

وقال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ

وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) ( الأنفال: 2 ) ، والآيات في فضل التوكل كثيرة معلومة .

الشرح

جمع المؤلف بين اليقين والتوكل ، لأن التوكل ثمرة من ثمرات اليقين ، فاليقين هو قوة الإيمان والثبات ، حتى كأن الإنسان يري بعينه ما أخبر الله به رسوله من شدة يقينه ، فاليقين هو ثبات وإيمان ليس معه شك بوجه من الوجوه ، فيري الغائب الذي أخبر الله – تعالى – عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه حاضر بين يديه ، وهو أعلى درجات الإيمان !

هذا اليقين يثمر ثمرات جليلة ، منها التوكل على الله عز وجل ، والتوكل على الله اعتماد الإنسان على ربه _ عز وجل _ في ظاهره وباطنه ، في جلب المنافع ودفع المضار : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ( الطلاق: من الآية3 ) .

ففي هاتين المرتبتين _ اليقين والتوكل _ يحصل للإنسان مقصده في الدنيا والآخرة ، ويستريح ويعيش مطمئنا سعيداً ، لأنه موقن بكل ما اخبر الله به ورسوله ومتوكل على الله عز وجل .

ثم ذكر المؤلف آيات في هذا الباب ، منها قوله تعالى : ( وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .

الأحزاب : طوائف من قبائل متعددة تألَّبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا على حربه ، وتجمع نحو عشرة آلاف مقاتل من قريش وغيرهم ، وحاصروا المدينة ، ليقضوا على النبي صلي الله عليه وسلم ، وحصل في هذه الغزوة أزمة عظيمة علي أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالي في وصفها : ( وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) من شدة الخوف ( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) الظنون البعيدة ( هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) .

فانقسم الناس في هذه الأزمة العصيبة العظيمة إلى قسمين ، بيَّنهما الله _ عز وجل _ في هذه الآيات قال : ( هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) .

القسم الأول : قال الله عنهم : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) ( الأحزاب:  12) المنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ، والذين في قلوبهم مرض من المؤمنين وعندهم نقص في يقينهم ، قالوا : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ، قالوا : كيف يقول محمد انه سيفتح كسرى وقيصر وصنعاء ، وهو الآن محاصر من هؤلاء الناس . كيف يمكن هذا ؟ فقالوا : ( مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) ( الأحزاب: من الآية 12) .

أما القسم الثاني : المؤمنون ، قال الله عنهم : ( وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) ( الأحزاب: من الآية22 ) وانظر إلى الفرق بين الطائفتين ، هؤلاء لما رأوا الأحزاب ، ورأوا هذه الشدة ، علموا انه سيعقبها نصر وفرج ، وقالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، فسيكون النصر وستفتح ممالك قيصر وكسرى واليمن ، وهكذا كان ولله الحمد .

والشاهد قوله : ( هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) ( الأحزاب: من الآية22 ) وهذا غاية اليقين ، أن يكون الإنسان عند الشدائد ، وعند الكرب ، ثابتاً مؤمناً موقناً ، عكس من كان توكله ويقينه ضعيفاً ، فانه عند المصائب والكرب ربما ينقلب على وجهه ، كما قال الله : ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) ( الحج: من الآية 11) أي على طرف ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) ( الحج: من الآية 11 )

.كثير من الناس ما دام على عافية فهو مطمئن ، ولكن إذا ابتلي _ والعياذ بالله _ انقلب على وجهه ، فربما يصل إلى حد الردة والكفر ، ويعترض على الله بالقضاء والقدر ، ويكره تقدير الله ، وبالتالي يكره الله _ والعياذ بالله ، لأنه كان في الأول لم يصبه أذى ولا فتنة ، ولكنه في الثاني أصابته الفتنة فانقلب على وجهه .

وفي هذه الآيات وأشباهها دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يخاف ، ويوجل ، ويخشى من زيغ القلب ، ويسأل الله دائماً الثبات ، فإنه ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء ، إن شاء أقامه ، وإن شاء أزاغه والعياذ بالله .

فنسأل الله مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على طاعته ، وأن يرزقنا الاستقامة على دينه والثبات عليه .

الآية الثانية : قوله تعالى: ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ( آل عمران :   173 ) .

هذه الآية نزلت في الصحابة _ رضي الله عنهم _ حيث حصل عليهم ما حصل في غزوة أحد ، مما أصابهم من القرح والجروح والشهداء ، فقيل لهم : إن أبا سفيان كان قد عزم على الكرَّة عليكم ، وجمع لكم الناس ، فندبهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى ملاقاته ومقابلته ، فاستجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ، وأصيبوا بهذه النكبة العظيمة ، فقتل منهم سبعون رجلاً استشهدوا في سبيل الله ، وحصل للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من صحابته _ رضي الله عنهم _ ما حصل ، ومع هذا استجابوا لله وللرسول .

قال الله تعالى : ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظيم (172)الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ) ( آل عمران: من الآية173 ) ، يعني إن أبا سفيان ومن معه ممن بقي من كبراء قريش جمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم يريدون استئصاله ، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره .

قيل للصحابة : اخشوا هؤلاء ، ولكنهم ازدادوا إيمانا لأن المؤمن كلما اشتدت به الأزمات ازداد إيمانا بالله ، لأنه يؤمن بأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسران ولهذا زادهم إيمانا هذا القول وقالوا : ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) ( حَسْبُنَا ) أي كافينا في مهماتنا وملماتنا ( وَنِعْمَ الْوَكِيل ) إنه نعم الكافي جل وعلا فإنه نعم المولى ونعم النصير .

ولكنه إنما يكون ناصراً لمن انتصر به واستنصر به ، فانه _ عز وجل _ أكرم الاكرمين وأجود الاجودين ، فإذا اتجه الإنسان إليه في أموره ، أعانه وساعده وتولاه ، ولكن البلاء من بني آدم ، حيث يكون الإعراض كثيرا في الإنسان ، ويعتمد على الأمور المادية دون الأمور المعنوية .

قال تعالى : ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ) ذهبوا ولكنهم لم يجدوا كيداً ، وأبو سفيان ومن معه ولّوا على أدبارهم ، ولم يكروا على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكتبت للصحابة رضي الله عنهم _ غزوة من غير قتال . كتبت هذه الرجعة غزوة من غير قتال ، قال الله تعالى : ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ( آل عمران: 174 ) .

ثم قال : ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ( آل عمران:  175) .

( يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ) أي : يخوفكم أنتم أولياءه ، أي : يلقي في قلوبكم الخوف من أوليائه ، فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين .

فالشيطان يأتي إلى المؤمن ، يقول : أحذر أن تتكلم في فلان ، لأنه ربما يسجنك ، وربما يفعل كذا وكذا ، فيخوفك ولكن المؤمن لا يمكن أن يخاف أولياء الشيطان ، لأن الله قال : ( فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ( النساء: من الآية76 ) بالنسبة للحق .

فعلى الإنسان أن لا يخاف في الله لومة لائم ، وأن لا يخاف إلا الله ، ولكن يجب أن يكون سيره على هدىً من الله عز وجل ، فإذا كان سيره على هدى من الله ، فلا يخاف أحداً .

الآية الثالثة : قوله تعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) ( الفرقان: من الآية58 ) وهو الله عز وجل ، اعتمد عليه في أمورك كلها ، دقيقها وجليلها ، لأن الله _ عز وجل _ إذا لم ييسر لك الأمور لم يتيسر لك ، ومن أسباب تيسيره ، أن تتوكل عليه ، لا سيما إذا داهمتك الأمور ، وكثرت الهموم ، وازدادت الخطوب ، فإنه لا ملجأ لك إلا الله عز وجل ، فعليك بالتوكل عليه والاعتماد عليه حتى يكفيك .

وقال الله تعالى : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ( الطلاق: من الآية3 ) أي : كافيه ، فإذا توكلت على الله كفاك كل شيء ، وإذا توكلت على غير الله وكلك الله عليه ، ولكنك تُخذل ولا تتحقق لك أمورك .

وقال الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً ) ( الأنفال: من الآية  4) .

وقوله عز وجل : ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) على ربهم فقط يتوكلون ! أي : يفوضون أمورهم كلها إلى مالكهم ومدبرهم خاصة ، لا إلى أحد سواه ، كما يدل عليه تقديم المعمول على عامله ، والجملة معطوفة على الصلة ، إشارة إلى الاختصاص والحصر ، وأنهم لا يتوكلون إلا على الله عز وجل لأن غير الله إذا توكلت عليه ، فإنما توكلت على شخص مثلك ، ولا يحرص على منفعتك كما تحرص أنت على منفعة نفسك ، ولكن اعتمد على الله _عز وجل _ في أمور دينك ودنياك .

وأما الأحاديث:

74 – فالأول : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( عرضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعه الرهيط ، والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت انهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ولكن انظر إلى الأفق ، فنظرت فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق الآخر ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب )) ثم نهض فدخل منزله ، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ، فلم يشركوا بالله شيئا _ وذكروا أشياء _ فخرج عليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال : (( ما الذي تخوضون فيه ؟ )) فاخبروه فقال : (( هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون )) فقام عُكَّاشة بن محصن فقال،  ادع الله إن يجعلني منهم ، فقال : (( أنت منهم )) . ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني منهم فقال : (( سبقك بها عُكَّاشة )) متفق عليه .

(( الرُّهيط )) بضم الراء : تصغير رهط ، وهم دون عشرة انفس . (( والأفق )) : الناحية والجانب . .

الشرح

بعدما ساق المؤلف _ رحمه الله تعالى _ الآيات ، ذكر هذا الحديث العظيم ، الذي أخبر فيه النبي صلي الله عليه وسلم أن الأمم عُرِضت عليه ، أي : أُرِيَ الأمم عليه الصلاة والسلام وأنبياءهم . يقول : (( فرأيت النبي ومعه الرهيط )) أي : معه الرهط القليل ، ما بين الثلاثة إلى العشرة . (( والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد )) أي : أن الأنبياء _ عليهم الصلاة والسلام _ ليسوا كلهم قد أطاعهم قوهم ، بل بعضهم لم يطعه أحد من قومهم ، وبعضهم أطاعه الرهط ، وبعضهم أطاعه الرجل والرجلان ..

هذا الحديث العظيم فيه صفات من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب . فهذه أربع صفات : لا يسترقون ، ولا يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون . والشاهد للباب قوله ( وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . معناه : أنهم يعتمدون على الله وحده في كل شيء ، لا يعتمدون على غيره ؛ لأنه جل وعلا قال في كتابه : ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) ( الطلاق: من الآية3 ) ، ومن كان الله حسبه فقد كفي كل شيء .

 76 – الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (( حسبنا الله ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين أُلقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل )) رواه البخاري .

وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان آخر قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار : (( حسبي الله ونعم الوكيل )) .

الشرح

 هذه الكلمة : (( حسبنا الله ونعم الوكيل )) قالها إبراهيم حينما القي في النار  ، وذلك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وأبوا ، وأصروا على الكفر والشرك . فقام ذات يوم على أصنامهم فكسرها ، وجعلهم جذاذاً ، إلا كبيراً لهم ، فلما رجعوا وجدوا آلهتهم كسرت ، فانتقموا _ والعياذ بالله _ لأنفسهم . فقالوا ما نصنع يا إبراهيم ؟ ( قَالُوا حَرِّقُوهُ ) ( الأنبياء : من الآية68 ) انتصاراً لآلهتهم ( وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ) ( الأنبياء : من الآية 68) فأوقدوا نار عظيمة جداً ، ثم رموا إبراهيم في هذه النار . ويقال أنهم لعظم النار لم يتمكنوا من القرب منها ، وأنهم رموا إبراهيم فيها بالمنجنيق من بُعد ، فلما رموه قال : (( حسبنا الله ونعم الوكيل )) فما الذي حدث ؟

قال الله تعالى : ( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ( الأنبياء : 69 ) ، برداً : ضد حر ، وسلاماً : ضد هلاكاً ، لأن النار حارة ومحرقة ومهلكة ، فأمر الله هذه النار أن تكون برداً وسلاماً عليه ، فكانت برداً وسلاماً .

أما الخليل الثاني الذي قال : ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) فهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، حين رجعوا من أحد ، قيل لهم : إن الناس قد جمعوا لكم ، يريدون أن يأتوا إلى المدينة ويقضوا عليكم فقالوا : ( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) . قال الله تعالى : ( فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) ( آل عمران : 174 ) .

فينبغي لكل إنسان رأى من الناس جمعاً له ، أو عدواناً عليه ، أن يقول : (( حسبنا الله ونعم الوكيل )) فإذا قال هكذا كفاه الله شرهم ، كما كفي إبراهيم ومحمدا عليهما الصلاة والسلام ، فاجعل هذه الكلمة دائماً على بالك ، إذا رأيت من الناس عدواناً عليك فقل : (( حسبي الله ونعم الوكيل )) يكفك الله عز وجل شرهم وهمهم . والله الموفق .

81 – الثالث : عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي رضي الله عنه _ وهو وأبوه وأمه صحابة ، رضي الله عنهم _ قال : نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا . فقال : (( ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما )) متفق عليه .

الشرح

قوله : (( ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما )) أي : ما ظنك ، هل أحد يقدر عليهما أو ينالهما بسوء ؟

وهذه القصة كانت حينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جهر بالدعوة ، ودعا الناس ، وتبعوه ، وخاف المشركون ، وقاموا ضد دعوته ، وضايقوه ، أذوه بالقول وبالفعل ، فأذن الله له بالهجرة من مكة إلى المدينة ولم يصحبه إلا أبو بكر رضي الله عنه ، والدليل ، والخادم ، فهاجر بأمر الله ، وصحبه أبو بكر رضي الله عنه .

ولما سمع المشركون بخروجه من مكة ، جعلوا لمن جاء به مئتي بعير ، ولمن جاء بأبي بكر مائة بعير ، وصار الناس يطلبون الرجلين في الجبال ، وفي الأودية وفي المغارات ، وفي كل مكان ، حتى وقفوا على الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وهو غار ثور الذي اختفيا فيه ثلاث ليال ، حتى يبرد عنهما الطلب ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا ، لأننا في الغار تحته ، فقال : (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) وفي كتاب الله أنه قال ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) ( التوبة : من الآية40 ) ، فيكون قال الأمرين كلاهما ، أي : قال : (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) وقال ( لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) .

فقوله : (( ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) يعني : هل أحد يقدر عليهما بأذية أو غير ذلك ؟

والجواب : لا أحد يقدر ، لأنه لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع ، ولا مذل لمن اعز ولا معز لمن أذل : ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ( آل عمران :  26) .

وفي هذه القصة : دليل على كمال توكل النبي صلى الله عليه وسلم على ربه ، وأنه معتمد عليه ، ومفوض إليه أمره ، وهذا هو الشاهد من وضع هذا الحديث في باب اليقين والتوكل .

[1]

[1] (1) شرح رياض الصالحين : لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين . باختصار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.