إنك إن تتبع عورات الناس

الأثنين
مايو 2018

عن معاوية – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” إنك إن اتَّبَعْتَ عوراتِ الناسِ ، أفسدتَهُم أو كِدْتَ أن تُفْسِدَهُم ” . رواه أبو داود وصححه الألباني .

( أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ):شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي .

معنى الحديث : إِذَا بَحَثْت عَنْ مَعَائِبِهِمْ وَجَاهَرْتهمْ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى قِلَّة حَيَائِهِمْ عَنْك فَيَجْتَرِئُونَ عَلَى اِرْتِكَاب أَمْثَالهَا مُجَاهَرَة .

قال أَبي الدَّرْدَاءِ: « كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَفَعَهُ اللهُ تَعَالَى بِهَا » .

قال ابن كثير : « يعني أنه كان جيّدَ السريرة ، حَسَنَ التجاوُز ، جميلَ العفو، كثيرَ السِّتر ، رحمه الله تعالى ».

وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس على عيوبهم . فعن أبي برزة الأسلمي – رضي الله عنه – قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبَّعوا عوراتهم ، فإن من اتَّبع عوراتهم يتَّبع اللهُ عورته ومن يتَّبع الله عورته يفضحه في بيته ” .

وقد وقف الصحابة رضي الله عنهم عند هذا الأمر ، فلم يقدموا عليه بل إذا ما وقع من أحدهم ذلك لاجتهاد ظنه أنكر عليه ذلك .

من ذلك ما ورد عن عبد الرحمن بن عوف قال : حرست ليلة مع عمر بن الخطاب بالمدينة إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجافى على قوم لهم أصوات مرتفعة ولغط . فقال عمر : هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى ، قلت : أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه ولا تجسسوا وقد تجسسنا ، فانصرف عمر وتركهم .

وقال أبو قلابة : حُدِّثَ عمر أن أبا محجن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته فانطلق عمر حتى دخل عليه فإذا ليس عنده إلا رجل فقال أبو محجن : إن هذا لا يحل لك . قد نهاك الله عن التجسس فخرج عمر وتركه .

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ : هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنَّا قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّجَسُّسِ ، وَلَكِنْ إِنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ نَأْخُذُ بِهِ .

وروى الإمام أحمد عن جديل كاتب عقبة قال : قلت لـ عقبة : إن لنا جيراناً يشربون الخمر وأنا داع لهم الشرط فيأخذونهم ، قال : لا تفعل ، ولكن عظهم وتهددهم ، قال : ففعل فلم ينتهوا ، قال : فجاءه جديل فقال : إني نهيتهم فلم ينتهوا ، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم ، فقال له عقبة : ويحك لا تفعل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها ) .

وهذه الملامح – عدم تتبع العورات – تعتبر سياسة شرعية حكيمة ، وفي معناها حديث آخر : ( إن الإمام إذا ابتغى الريبة في الرعية أفسدهم ) ، يعني : لا ينبغي أن تعامل من تعامله مثل معاملة هذا الإمام لرعيته ، سواء الرجل مع أبنائه ، أو مع زوجته ، أو الزوجة مع زوجها ، فينبغي أن يكون هناك زرع للثقة في التعامل ، لكن إن كان التعامل مبنياً على الظن السيء والتجسس ، فربما عوقب الإنسان بما يكرهه.

فلو أن رجلاً يتعامل مع ابنه على أساس سوء الظن ، فيتتبعه في الطرقات ، ويتجسس عليه ، ويفتش أوراقه ، فهذه الأشياء كلها إن كان يفعلها على سبيل أنه لا يثق فيه وأنه يشك فيه ويرتاب ؛ فهذا يزرع عند هذا الشاب عدم الهيبة والتوقير له.

وكذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام الرجل إذا كان مسافراً ولا يعلم موعد رجوعه من السفر أن يطرق أهله ليلاً ؛ لأن ذلك تجسس وشك ، فالرسول عليه الصلاة والسلام سد هذه الذرائع المؤدية إلى إساءة الظن ، وأمر أن تبنى العلاقات على الثقة ، وإذا خالف الإنسان هذا الأدب وهذه السياسة الشرعية فسيعاقب بأن يرى ما يسوءه كما في الأحاديث .

فليحذر من يتجسس على عورات المسلمين ، ويحاول اكتشاف ما يخفونه منها فهو منهي عنه شرعاً ومستقبح طبعاً !.

حكم اطلاع الأب على الرسائل الخاصة بأبنائه .

” الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يطلع أو يتطلع على خصوصيات الآخرين أو يتجسس عليهم أو يظن بهم السوء ، وذلك داخل في قول الله تبارك وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا } [ الحجرات :12 ] …

أما إذا علم أن لأبنائه علاقات محرمة أو ما أشبه ذلك فله بحكم الولاية عليهم التحقيق في ذلك وفي حدود المصلحة بما يردعهم عن المنكر ، فلا يقلّ حال الأب هنا عن حال المحتسب الذي جوز له العلماء البحث والكشف على مرتكب المعصية ؛ فقد جاء في الموسوعة الفقهية : وللمحتسب أن يكشف على مرتكبي المعاصي لأن قاعدة ولاية الحسبة : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” (1) .

 

  • (1) – وجاء في الفتوى الأدلة السابقة ولكن حذفناها حتى لا يكون هناك تكرار .
  • (1) – فتاوى الشبكة الإسلامية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.