حديث الذباب

الأثنين
مايو 2018

وهو عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ، ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء ” .

وفي رواية أبي داود : ” وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ” .

قال الإمام ابن حجر – شارح البخاري – : ولم يقع لي في شيء من الطرق تعيين الجناح الذي فيه الشفاء ، لكن ذكر بعض العلماء أنه تأمله فوجده يتقي بجناحه الأيسر ، فعرف أن الأيمن هو الذي فيه الشفاء . ( فتح 10/251 ) .

فهذا الحديث يوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الذبابة الطائرة من حولنا تحوي في أحد جناحيها داء ، وهذا الداء شفاؤه موجود في الجناح الثاني للذبابة نفسها ، فإذا وقعت الذبابة في إناء فيه طعام أو شراب فإنها تدفع الجناح الذي فيه داء تدافع بذلك عن نفسها غريزة أعطيتها من عند الله تعالى .

  • وقد وجَّه الجهال انتقادهم لهذا الحديث في صور شتى في القديم والحديث ، واعتبروا الحديث ضعيفاً رغم إخراج الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث له في صحيحه وقالوا :
  • كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب ؟ هذان الجناحان الخفيفان اللذان لا يحتملان شيئاً !
  • وقالوا : وكيف يعلم الذباب ذلك من نفسه حتى يقدِّم جناح الداء على جناح الشفاء ، وما ألجأه لذلك ؟
  • وهذا التساؤل ليس له جواب إلَّا أن نقول : سبحان الخلَّاق العظيم الذي خلق ودبَّر ، وأحكم وقدَّر ، فجعل في أحد جناحي الذباب داء ، وجعل في الآخر شفاء .

وهذه النظرة العقلية الأولى التي نظر إليها بعض أهل العلم ، فنفوا صحة الحديث لأن عقولهم لم تتصور هذا الجناح الرقيق الذي لا يحتمل شيئاً من الأمور ، فسرعان ما ينقطع عند أدنى مقاومة يلقاها ، لم تستطع عقولهم أن تتصور هذا الجناح يحمل داء في طيَّاته ، ويحمل شفاء من ذلك الداء ، ولم تتحمل عقولهم أن تتصور التصرف العقلاني الذي يتصرفه الذباب عندما يشعر بقرب وقوعه في سائل أو غيره ، فيقدِّم الجناح الذي فيه داء يُدافِع بذلك عن نفسه ، وينتقم ممن أراده بخطر ، لم تتحمَّل عقول هؤلاء الناس ذلك الأمر ، فقاموا بهجوم على الحديث وأهله ، وانتقدوا أئمته لأنهم وضعوا في كتبهم أحاديث غير صحيحة ! أو بالأصح غير معقولة المعنى . وخسئ أولئك فيما ذهبوا إليه، وفيما رموا به الحديث وأهله ، فإن علماء الحديث أتَّبعوا أدقّ الطرق وأضبطها حتى يحفظوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل خطأ يمكن أن يطرأ عليه ، أو يحدث في أيّ مرحلة من مراحل انتقال الحديث إلى الأمة في أيّ عصر من العصور . فالحديث صحيح سنداً دون أيّ شك أو ريب ، وَتَبَعَاً للسند هو صحيح متناً بإخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد أحب بعض أهل العلم أن يتأكدوا من صحة هذا الحديث ، فأجروا تجربة منذ أكثر من ثلاثين سنة في مصر ، وتحققوا من صحة ما أخبر به صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر العلمي منذ أربعة عشر قرناً .

كما قام فريق من الباحثين في جامعة الملك عبد العزيز بن سعود في جدة منذ سنوات قليلة بحضور عميد كلية الشريعة وأصول الدين بأبها عبد الله المصلح بإجراء تجربة دقيقة لإثبات صحة هذا الحديث لمن لا يُصدِّق بالخبر ، فوجدوه صحيحاً صحة تامة ، فلمَّا وقع الذباب في ماء نقيّ تماماً فُحِص الماء بعد ذلك فوجِد أنه تلوث ولمَّا غُمس الجناح الثاني وجد أنَّ التلوث قد زال تماماً من الماء . فسبحان الذي علَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العلوم الجمَّة ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر ، وصدق أهل الحديث الذين حكموا بصحة هذا الحديث وأودعوه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى .

يقول الدكتور نور الدين عتر – حفظه الله تعالى – :

استشكل بعضهم هذا الحديث بأن الذباب ينقل الجراثيم ، وخصوصاً جراثيم حُمَّى التيفوئيد فكيف نغمسه في الطعام أو الشراب ، ثم نطرحه ، بدل أن نطرح الشراب الذي وقع فيه الذباب ؟!

قال : وقد أُجيب عن ذلك بأجوبة نظرية وتطبيقية :

فمن الأجوبة النظرية قال طبيب في إحدى الجامعات : لو لم يكن الذباب مُحصناً بمضادَّات لتلك الجراثيم لماتت الذبابة بعلوق الجراثيم بها ، ولما بقي ذباب في العالم .

قال : ومن الأجوبة التطبيقية : ما لاحظه الأقدمون بالتجربة أن دلك موضع لدغ الزنبور أو العقرب بالذباب ينفع منه نفعاً بيناً .

ومن التطبيقات الحديثة : ما لوحظ على جرحى الحرب العالمية من الجنود أن جراحهم أسرع شفاء والتئاماً من الضباط الذين يُعنى بهم مزيد عناية في المستشفيات ، لأن الجنود يتداوون في الميدان فيتعرَّضون لوقوع الذباب على جراحاتهم .

ومنذ سنة 1922 م نشر الدكتور ديريل بعد دراسة مسهبة لأسباب جائحات الهيضة ” الكوليرا ” في الهند – هو وجود كائنات دقيقة تغزو الجراثيم وتلتهمها ، وتُدعى ملتهمات الجراثيم ” بكتريوفاج ” ، وأثبت ديريل أن البكتريوفاج هو العامل الأساسي في إطفاء جوائح الفيضة ، وأنه يوجد في براز الناقلين من المرض المذكور وأن الذباب ينقله من البراز إلى آبار ماء الشرب ، فيشربه الأهلون ، وتبدأ جذوة جائحة الهيضة بالانطفاء  .

وقد تمكن الأستاذ ديريل من تكثير ” ملتهم الجراثيم ” وتنميته ، والاستفاده منه في المعالجة ، كما أنه تأكد من تأثيره في الجراثيم بإضافته إلى فروعها ، وملاحظة إذابته تماماً ، ثم اكتشف منذ ذلك الحين حتى الآن عدد كبير من ملتهمات الجراثيم كل منها يلتهم نوعاً معيناً أو عدة أنواع من الجراثيم .كما تأكد عام 1928 م حين أطعم ذباب البيوت فروع جراثيم ممرضة ، فاختفى أثرها بعد حين وماتت كلها من جراء وجود ملتهم الجراثيم ، شأن الذباب الكبير في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه ، وعرف أنه إذا هُيء خلاصة من الذباب في مَصْلٍ فزيولوجي فإن هذه الخلاصة تحتوي على ملتهمات أربعة أنواع على الأقل من الجراثيم الممرضة .

والغمس في الحديث ليس غمساً للجناحين فقط إنما هو غمس لجسم الذبابة مع جناحيها ، فيدخل ملتهم الجراثيم إلى الشراب من جراء غمس جسمها ، هذا فضلاً عن أن الذبابة تمسح دائماً أجنحتها بأرجلها ، ولذلك تكون الأجنحة مقرَّاً للملتهماتوللجراثيم أكثر من غيرها من أعضاء الذبابة . ( د . نور الدين عتر في كتابه : السنة المطهرة والتحديات /80-81/ ) . (1) .

 

(1) – الإعجاز العلمي في السنة النبوية ؛ د : صالح بن أحمد رضا ( 1/552-555 ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.