أين نحن من هؤلاء ؟

الأحد
مايو 2018

قال أبو الليث السمرقندي – رحمه الله – : ” ومن أعرض عن النظر في الحِكَم والمواعظ وسير الرجال ، لا يعدو عن إحدى خصلتين : إمَّا إن يقتصر على قليل من العمل ، يتوهّم أنَّه من جملة السابقين إلى الخيرات ، وإمَّا أن يجتهد بعض الجهد ، فيعظم ذلك في عينه ، ويُفضّل بذلك نفسه على غيره ، فيبطل سعيه ، ويحبط عمله . فإذا نظر فيها ، ازداد حرصاً على الطاعات ، وعرف قصوره عن بلوغهم في الدرجات ” .

ولذا قال بعض السلف : ” النظر في كتب السِّير وأخبار الرجال أحبُّ إلينا من كثير من أبواب الفقه ” .

ومن تأمل قصص السلف ، وجدها كلها نماذج حيَّة يُحتذى بها ، ومواقف تشعُّ نوراً يتلألأ في جميع مجالات الحياة .. ومنها مجال طلب العلم ، والرحلة فيه ، وتحمّل كل المشاق من أجله .. ومنها الهمّة والجدِّية في كل جزئية من الجزئيات .. فما أجمل معرفتها وما أقبح الجهل بها ! إنَّ معرفتها مدعاةٌ للإقتداء بهم .

فهاك يا باغ الخير طَرَفاً منها عسى أن تعلو منك الهمَّة ، فتنفع نفسك والأمّة ..

فهذا جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – الصحابي الجليل ؛ يرحل شهراً كاملاً إلى الشّام من أجل سماع حديث واحد لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ..!

وهذا شُعبة – رحمه الله –  يرحل أيضاً شهراً كاملاً في طلب حديث سمعه من طريق لم يمرُّ عليه ..!

وكان يقول : ” من طلب الحديث أفلس ” حتى أنّهُ قال : ” بعتُ طَسْتَ أمي بسبعة دنانير ” .

وقال الإمام أحمد – رحمه الله – : ” أقام شعبة على الحَكَم بن عتيبة ثمانية عشر شهراً ، حتى باع جذوع بيته ! ” .

ورحل محمد بن إسحاق وعمره عشرون سنة ، ورجع إلى بلده وعمره ثلاث وستون ..! وعقد على امرأة عجوز تخدمه .

وهذا الإمام المُزَني ؛ قرأ كتاب ” الرسالة ” في أصول الفقه للشافعي خمسين مرَّة .

وهذا عبد الله بن محمد فقيه العراق ؛ قرأ كتاب ” المُغْنِي ” ثلاثاً وعشرين مرَّة . – المغني 15 مجلد ! –

وهذا الإمام غالب بن عبد الرحمن بن عطيّة ؛ قرأ ” صحيح البخاري ” سبعمائة مرّة . وقرأه سليمان بن إبراهيم بن عمر ، مئة وخمسين مرّة .

وقرأه البرهان الحلبي أكثر من ستين مرّة ؛ ” وصحيح مسلم ” نحو العشرين .

وقرأ ابن حجر – رحمه الله – كتاب ” المُعجم الصغير ” للطبراني كله في مجلس واحد ما بين الظهر والعصر ..! – المُعجم 500 صفحة ! –

والحافظ ابن حجر – رحمه الله – أمره عجيب ! فقد كان يتميَّزُ بالذّكاء منذ الصغر ؛ ولذلك رحل وعمره قرابة أحد عشر عاماً ، رحل إلى الحجاز ؛ وكان قد حفظ القرآن وعمره تسع سنوات ! وأمَّ المُصلِّين في المسجد الحرام وعمره ( 12 ) سنة ..!

وكان النووي – رحمه الله – يحضر في اليوم الواحد اثنا عشر درساً ! وحفظ القرآن وقد ناهز الاحتلام ؛ وحفظ  ” التنبيه ” وعمره ( 16  ) سنة ، في أربعة أشهر ونصف ، وحفظ المُهذّب في باقي السنة ..! فسبحان من أعطاهم الذّكاء وألهمهم الرُّشد ..!

وهذا سعيد بن عبد العزيز ؛ قال : ” كنت أجلس بالغدوات إلى ابن أبي مالك ؛ وأُجالس بعد الظهر إسماعيل بن عبد الله ؛ وبعد العصر مكحولاً ” ؛ فكل وقته طلبٌ وتحصيل ..!

وقال أحمد بن سنان : ” كان مجلس عبد الرحمن بن مهدي لا يُتَحَدَّثَ فيه ؛ ولا يُبرى قلم ؛ ولا يبتسم أحد ؛ ولا يقوم أحد ؛ كأنَّ على رؤوسهم الطير ؛ أو كأنَّهم في الصلاة ؛ فإذا رأى أحداً منهم تبسَّم أو تحدَّث لبس نعله وخرج ..!

الله أكبر ! أين هذه المجالس من مجالسنا اليوم ..!

وهذا الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – ؛ يَصِفُ أحدهم مجالسه ؛ يقول : ” كانت مجالس الإمام أحمد بن حنبل مجالس الآخرة ” . ويقول عنه آخر : ” ما أتيت الإمام أحمد إلَّا وجدته زائداً عليه بالأمس ..! ” .

فأقول : أين نحن من هؤلاء ؟ إن جئت إلى الرحلة فعجب ! وإن جئت إلى الطلب فأعجب ! وإن نظرت إلى الهمّة ، قلت قد وصلوا واللهِ إلى القمّة ..!

وتشبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم …. إنّ التّشبُّه بِالكِرامِ فلاحُ

ويوجد في زمننا – هذا – أُناس معروفون بالهمة والجدية في الطلب .

ومنهم العلامة الأديب البليغ صاحب القلم الأنيق والعبارة الرشيقة الشيخ علي الطنطاوي ( المتوفّى سنة 1420 ) – رحمه الله تعالى – له مقال في ” الذكريات ” عنوانه : ” شغلي الدائم المطالعة ” ذكر فيه ولعه الدائم بالمطالعة من صغره وهو في المدرسة الإبتدائية بدون إرشاد مُرشِد ولا تعليم مُعلِّم ثمّ قال : ” فأنا اليوم ، وأنا بالأمس ، كما كنت في الصغر ، أُمضي يومي أكثره في الدار أقرأ ، ورُبّما مرّ عليَّ يوم أقرأ فيه ثلاثمائة صفحة ، ومُعدَّل قراءتي مئة صفحة من سنة ( 1340 ) إلى هذه السنة ( 1402 ) .

اثنا وستون سنة ! احسبوا كم يوماً فيها ، واضربوها بمئة ، تعرفوا كم صفحة قرأت . أقرأ في كل موضوع ، حتى في الموضوعات العلميّة … ” .

وله في ” الذكريات ” – أيضاً – حديث عن قراءته ومقدارها ، مع اشتغاله بالقضاء في دمشق ( كل يوم ثلاثين قضيّة ) ، مع الإشراف على مجالس التحكيم ، والعمل رئيساً لثلاثة مجالس : الأوقاف ، والأيتام ، والمجلس الأعلى للكليّات الشرعيّة ؛ مع إلقاء دروس في الكلية والثانوية للبنين والبنات ؛ وكان إلى جانب ذلك خطيب جمعة ؛ ومحاضراً في النوادي ؛ وله أحاديث في الإذاعة ؛ وكتابة في إحدى الجرائد . كان يصنع هذا كله ..! ومع ذلك كان يقرأ كل يوم مئتين أو ثلاثمائة صفحة ! مستمرّ على ذلك أكثر من ستين سنة ..

ويقول الشيخ عبد الكريم الخضير – حفظه الله – : وأعرفُ مَنْ قرأَ كتاب لابن عبد البرّ ، عشر مُجلّدات في شهر ..! بينما قرأهُ آخر في ستة أشهُر ..!

وقال أحد المؤلفين : بعض طلبة العلم في هذا العصر مشهور بالصبر والجلد في المطالعة ، أحدهم قرأ ” المُحلى ” لابن حزم خمس مرّات بفهم ؛ وآخر كرّر ” بلوغ المرام ” أكثر من خمسين مرّة ؛ وثالث قرأ ” سير أعلام النبلاء ” ثلاث مرّات بتأمُل ؛ ومنهم من يبدأ بمكتبته من أوّلها إلى آخرها قراءة .

ولنختم هذه القصص الجميلة بجملة من الآيات والأحاديث التي فيها ترغيب وتشويق ، في فضل العلم وطلبه .

فضيلة العلم شواهده من القرآن كثيرة ؛ منها : قوله عز وجل : -( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط )- ، فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ثم ثنّى بالملائكة وثلّث بأهل العلم ، وناهيك بهذا شرفاً وفضلاً .

وقال الله تعالى : -( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُتوا العلم درجات )- ، يرفعهم في الدنيا والآخرة ! وانظر إلى الشيخ ابن باز وابن عثيمين – رحمهما الله – مثلاً ووو … ما الذي رفع مكانتهم ؟ أليس العلم ! بلى .. وإلّا لكانوا مثل بقية الناس لا يعرفهم أحد ! وبقدر العلم والإيمان تكون الرفعة فمستقلٌّ ومستكثر .

وقال عز وجل : -( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )- ، طبعاً لا يستوون لا عند الله ولا عند خلقه ! لا في هذه الحياة ولا في الآخرة .

وقال تعالى : -( إنما يخشى الله من عباده العلماء )- . فالعلم يورث الخشية .

وقال تعالى : -( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أُلي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يستنبطونه منهم )- . رد حكمه في الوقائع إلى استنباطهم وألحق رتبتهم برتبة الأنبياء في كشف حكم الله .

وأما من السنة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ” .

2 ) – وقال صلى الله عليه وسلم : ” من يُرد الله بهِ خيراً يفقهه في الدِّين ” .

3 ) – وقال عليه الصلاة والسلام : ” إنّ العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّ الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ، إنّما ورَّثوا هذا العلم فمن أخذ به أخذ بحظٍّ وافر ” . ومعلوم أنّه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة .

4 ) – وقال صلى الله عليه وسلم : ” فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي ” .

5 ) وقال صلى الله عليه وسلم : ” فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ” .

6 ) – وقال صلى الله عليه وسلم في تفضيل العلم على العبادة : ” فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة ، وخير دينكم الورع ” .

7 ) – وقال صلى الله عليه وسلم : ” إنّ الله سبحانه وملائكته وأرضه حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلّون على معلم الناس الخير ” .

8 ) – وقال صلى الله عليه وسلم : ” إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنتفع به ، أو ولدٌ صالح يدعو له ” .

ومن الآثار ؛ قال أبو الدرداء – رضي الله عنه – : ( العالم والمتعلم شريكان في الخير ، وسائر الناس همج لا خير فيهم ) .

وقال فتح الموصلي – رحمه الله – : ( أليس المريض إذا منع الطعام والشراب والدواء يموت ؟ قالوا : بلى . قال كذلك القلب إذا منع عنه الحكمة والعلم ثلاثة أيام يموت ) .

قال الغزالي – رحمه الله – : ولقد صدق فإن غذاء القلب العلم والحكمة وبهما حياته كما أن غذاء الجسد الطعام ، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم ولكنه لا يشعر به إذ حب الدنيا وشغله بها أبطل إحساسه .

وقال معاذ – رضي الله عنه – : ( تعلموا العلم فإن تعلمه خشية ، وطلبه عباده ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه من لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ، وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والمصبّر على البأساء والضراء ، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة سادة هداة يقتدى بهم ، أدلة في الخير ، تُقتصّ آثارهم ، وتُرمق أفعالهم ، يبلغ العبد به منازل الأبرار والدرجات العلى ، والتفكر فيه يعدل بالصيام ، ومدارسته بالقيام ، به يُطاع الله عز وجل ، وبه يوحّد ويُمجّد ، وبه يتورّع ، وبه توصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام ، وهو إمام والعمل تابعه ، يُلْهَمْهُ السُعداء ويُحْرَمْهُ الأشقياء ) .

ومن وصايا لقمان لابنه : ( يا بنيّ جالس العلماء وزاحمهم بركبتك ، فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بوابل السماء ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.