متون مرشحة للحفظ

الأحد
مايو 2018

إن الحفظ هو اللبنة الأساسية في بناء طالب العلم ، فهو من الوسائل المهمة في طلب العلم ، إذ أنه من وسائل تثبيت المعلومة واسترجاعها واستحضارها بكل يسر وسهولة عند الاحتياج إليها ؛ بل ويعين على فهم المسائل العلمية .. وكثير من طلبة العلم لديهم جلد في القراءة وكثرت اطلاع ولكن حصيلتهم العلمية ضعيفة ، وما ذاك إلا لغفلتهم عن هذا الأصل الأصيل المهم ، ولذلك يشكون من قلة التحصيل ..  إذ كيف يبني طالب العلم حكماً وهو لا يعرف حديثه ولا يحفظه !

 

وقد كان السلف يُعنون بحفظ المتون أشدّ العناية ، ويرون أنّه من الأمور المهمة .. وقالوا : ” احفظ فكل حافظ إمام ” .

 

يقول الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في كلام كأنه نفثة مصدور : ” فهل من عودة إلى أصالة الطلب في دراسة المختصرات المعتمدة ، لا على المذكرات ، وفي حفظها لا على الاعتماد على الفهم فحسب ، حتى ضاع الطلاب فلا حفظ ولا فهم ” .

 

ويعلّق الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – على عبارة الشيخ بكر فيقول : ” أي علم بلا حفظ يزول سريعاً ، وفي الماضي كانوا يعيبون علينا ويقولون : لا تتعب نفسك في حفظ المتن ، وعليك بالفهم ، لكن وجدنا أننا ضائعون إذا لم يكن عندنا حفظ ، وما انتفعنا – والله – إلا بما حفظنا من المتون ولو لا أن الله نفعنا بذلك لضاع علينا علم عظيم . فلا تغتر بمن يقول : الفهم ، ولهذا الدعاة القائلون بالفهم لو سألتهم أو ناقشتهم لوجدتهم ضُحلاء ، ليس عندهم علم ” .

 

يقول الشيخ ابن عثيمين : ” وعلى هذا فلا يُستهان بالحفظ ، فالحفظ هو الأصل ، ولعلّ أحداّ منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة ، فالحفظ مهم لطالب العلم حتى وإن كان فيه من الصعوبة ” .

 

بعد أن عرفنا أهمية الحفظ ، لابد أن نعرف ما هي الأسباب التي يُستعان بها عليه . ويمكن صياغتها كالتالي :

 

* الأول : حسن النيّة .

فإنّها مفتاح كل خير ، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم .

وأورد الخطيب في هذا الباب أثر ابن عباس – رضي الله عنه – قال : ” إنّما يحفظ الرجل على قدر نيته ” .

 

* الثاني : اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات .

قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – ” إنّي لأحسب الرجل ينسى العلم ، بالخطيئة يعملها ” .

وقال رجل للإمام مالك : ” يا أبا عبد الله ، هل يصلح لهذا الحفظ شيء ؟ قال : إن كان يصلح له شيء ؛ فترك المعاصي ” .

يقول الشافعي :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي … فأرشدني إلى ترك المعاصي .

وأخبرني بأنّ العلم نور     …    ونور الله لا يُهدى لعاصي .

 

* الثالث : العمل بالحديث الذي يرويه ويحفظه .

قال سفيان الثوري : ” العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه وإلّا ارتحل ” .

وقال جماعة من السلف منهم الشعبي ووكيع : ” كُنّا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به ” .

والسبب الذي من أجله كان العمل بالحديث مثبّتاً الحفظ ، يظهر جليّاً في أنّ العمل بالحديث يجعل معاني الحديث واقعاً عملياً ، والمحسوسات أثبت في الذّهن من المعنويّات .

وأهمّ من ذلك أنّ العمل بالعلم سبب لتوفيق الله – تعالى – إلى العلم والزيادة منه ، وكما قال تعالى : -( واتقوا الله ويعلمكم الله )- .

 

* الرابع : اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ .

وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص باختلاف أحوالهم وظروف طلبهم للمعاش وغير ذلك ، فمن الناس من يناسبه السحر ، ومنهم من يناسبه وقت القيلولة ، ومنهم من يناسبه الليل كلٌّ ووضعه الخاص . المهم أن يختار الوقت الذي هو متفرّغ فيه ، ويكون ذهنه فيه صافٍ وخالٍ من المشغلات والملهيات .

 

* الخامس : الجهر بقراءة ما يُراد حفظه .

ولذلك حكمة ، بيّنها والد الزبير بن بكار القرشي عندما رأى ابنه يتحفّظ سرّاً ، فقال له : ” إنّما لك من روايتك هذه – أي تحفظ سرّاً – ما أدّى بصرك إلى قلبك . فإذا أردت الرواية – أي الحفظ – ، فانظر إليها ، واجهر بها ، فإنّه يكون لك ما أدّى بصرك إلى قلبك ، وما أدّى سمعك إلى قلبك ” .

قال محمد عجاج الخطيب : ” وهذا تعبير رائع صحيح ، وهذا ما يقول فيه علماء التربية وعلم النفس : كلّما كثرت الحواسّ المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه ، كان حفظه أسرع وأيسر ” .

 

* السادس : إحكام الحفظ بكثرة تكريره .

يقول ابن الجوزي : ” الطريق إلى إحكامه ، كثرة الإعادة . والناس متفاوتون في ذلك ، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار ، ومنهم من لا يحفظ إلّا بعد التكرار الكثير ” .

 

السابع : تعهّد المحفوظ ، بإعادة النظر فيه وتكريره في أوقات معيّنة .

إذ الحافظة مهما كانت قوية لابد أن تسهو ، فالنسيان جبلة الإنسان ، ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم ، إلّا مراجعته من حين لآخر ، وعدم الاتكال على الحفظ الأول .

قيل للأصمعي : كيف حفظت ونسي أصحابك ؟! قال : درست وتركوا .

وقال علقمة : ” اطيلوا كرّ الحديث لا يدرُس ” ، أي : لكي لا يبلى ويُنسى (1) .

 

وأما المتون المرشحة للحفظ فيمكن تلخيصها في النقاط التالية :

1 – الأربعون النووية – وهذا كحد أدنى للحفظ – .

2 – رياض الصالحين – أو ما تيسر منه – وهذا مهم للخطيب والواعظ والداعية .

3 – عمدة الأحكام – وهذا للداعية أيضاُ وغيره – .

4 – بلوغ المرام – وهذا لا يستغني عنه الفقيه المتخصص على الأقل – . ومن علت همته فبالإمكان أن ينتقل إليه مباشرة ولا يحتاج معه إلى عمدة الأحكام .

5 – يرشح للحفظ أيضاً الصحيحين والسنن الأربع . وإن عجز عنها حفظها بطريقة الزوائد التي قام بها الشيخ صالح الشامي أو يحيى اليحيى .

ويحسن بطالب الحديث حفظ : نخبة الفكر لابن حجر في مصطلح الحديث فهي من أحسن ما أُلف فيه .. وحفظها يساعد طالب الحديث في فهم مصطلحاته وما إلى ذلك .

[1]

[1] (1) – انظر : السبل المرضية لطالب العلوم الشرعية ؛ لأبي الأشبال ( ص: 86 ) وما بعدها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.