فضل شهر رمضان

الخميس
مايو 2018

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إذا جاء رمضان فُتِّحَت أبواب الجنة ، وغُلِّقت أبواب النار ، وصفدت الشياطين ” . وهذا حديث عظيم يبين فضل شهر رمضان ! وإنما تفتحت أبواب الجنة في هذا الشهر لكثرة الأعمال الصالحة وترغيباً للعاملين ، وتغلَّق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان ، وتصفد الشياطين فتُغلُّ فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره ، ولذا تجد عند الصالحين من الرغبة في الخير والعزوف عن الشر في هذا الشهر ما لا تجده في غيره ، بل وحتى من أهل المعاصي !

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به .. والصيام جُنَّة ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما ؛ إذا أفطر فرح بفطره ، وإذا لقي ربه فرح بصومه ” .

وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة :

الوجه الأول : أن الله اختصَّ لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال ، وذلك لشرفه عنده ، ومحبته له ، وظهور الإخلاص له سبحانه فيه ، لأنه سِرُّ بين العبد وربَّه لا يطَّلع عليه إلا الله ، فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس مُتمكِّناً من تناول ما حرَّم الله عليه بالصيام ، فلا يتناوله ، لأنه يعلم أن له ربّاً يطَّلع عليه في خلواته ، وقد حرَّم عليه ذلك ، فيتركه لله خوفاً من عقابه ، ورغبةً في ثوابه ، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص ، واختصَّ صيامه لنفسه من بين سائر أعماله .. وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة كما قال سفيان بن عيينه – رحمه الله – : إذا كان يوم القيامة يُحاسِبُ اللهُ عبدَهُ ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى إذا لم يبقَ إلا الصوم يتحمَّلُ اللهُ عنه ما بقي من المظالم ويُدخله الجنة بالصوم .

الوجه الثاني : أن الله قال في الصوم : ” وأنا أجزي به ” . فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة ؛ لأن الأعمال الصالحة يُضاعفُ أجرها بالعدد ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعاف كثيرة ، أمَّا الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عددٍ ، وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين ، والعطيَّةُ بقدر مُعطيها . فيكون أجر الصائم عظيماً كثيراً بلا حساب .

الوجه الثالث : أن الصوم جُنَّة : أي وقاية يقي الصائم من النار ، ولذلك روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن جابر – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الصيام جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بها العبد من النار ” .

الوجه الرابع : أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك لأنها من آثار الصيام ، فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له . وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله حتى إن الشيء المكروه المستخبث عند الناس يكون محبوباً عند الله وطيباً لكونه نشأ عن طاعته بالصيام .

الوجه الخامس : أن للصائم فرحتين : فرحةً عند فِطْرِه ، وفرحةً عند لقاء ربَّه . أما فرحه عند فطره فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة ، وكم أناسٍ حُرِمُوْهُ فلم يصوموا . ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح الذي كان مُحرَّماً عليه حال الصوم .وأما فرحه عند لقاء ربِّه فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى مُوفَّراً كاملاً في وقتٍ هو أحوج ما يكون إليه حين يقال : ” أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الرَّيان الذي لا يدخله أحدٌ غيرهم ” .

ومما جاء أيضاً في فضل شهر رمضان ، قال صلى الله عليه وسلم : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام رمضان إيماناً واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” .

وقال صلى الله عليه وسلم : ” إن لله تعالى عتقاء من النار وذلك في كل ليلة ” .

فشهر بهذه الفضائل العظيمة ، ألا يُعدّ نعمة جسيمة ! ألا يستحق الجدّ والاجتهاد .. فما هي إلَّا أياماً معدودات ، سريعة الانقضاء والفوات . جاء في حديث : ” وينادي منادٍ : يا باغي الخير أقبِل ، ويا باغي الشر أقصر ” .

فأقبل يا أخي ! بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بَلَغَهُ وقام بِحَقِّه بالرجوع إلى ربِّه من معصيته إلى طاعته ، ومن الغفلة عنه إلى ذكره ، ومن البُعْدِ عنهُ إلى الإنابة إليه :

يَا ذَا الَّذي ما كفاهُ الذّنبُ في رجب … حتى عصى ربَّهُ في شهر شعبانِ .

لقد أظلَّكَ شهرُ الصوم بعدَهُما … فلا تُصَيِّرْهُ   أيضاً  شَهْرَ     عِصيانِ .

وَاتْل القرآنَ وسبِّح فيهِ مُجتهِداً … فإنه    شهرُ    تسبيحٍ       وقرآنِ .

كم كنتَ تعرِف مِمَّن صام في سلفٍ … مِنْ بين  أهلٍ  وجيرانٍ  وإخوانِ .

أفْنَاهُمُ الموتُ واسْتَبْقَاكَ بعدهمُ … حيّاً  فما أقرَبَ  القاصِي  مِن  الداني .

اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة ، ووفقنا للتزود من التقوى قبل النُّقْلَة ، وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين وأنت أهله .. (1) .

 

(1) – مجالس شهر رمضان ؛ للشيخ ابن عثيمين ، 14/17 . بتصرف وإضافة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.